صومعة حسان: أيقونة المعمار الموحدي وشاهد العصر على تاريخ المغرب العريق

0


صومعة حسان: أيقونة المعمار الموحدي وشاهد العصر على تاريخ المغرب العريق



تُعد صومعة حسان في العاصمة المغربية الرباط واحدةً من أبرز المعالم التاريخية التي تجسد عظمة الحضارة الإسلامية في مغرب العصور الوسطى. هي ليست مجرد مئذنة لمسجد لم يكتمل، بل هي "قصيدة صخرية" تحكي قصة طموح دولة الموحدين التي حكمت الغرب الإسلامي، وتُعتبر اليوم رمزاً وطنياً ودينياً مسجلاً ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.


  • في هذا الدليل الشامل، نغوص في تفاصيل هذا المعلم الأثري، بدءاً من الجذور التاريخية، وصولاً إلى عبقرية الهندسة المعمارية، والأسرار التي جعلتها تصمد في وجه الزلازل والزمن.
صومعة حسان: أيقونة المعمار الموحدي وشاهد العصر على تاريخ المغرب العريق
صومعة حسان: أيقونة المعمار الموحدي وشاهد العصر على تاريخ المغرب العريق

صومعة حسان: أيقونة المعمار الموحدي وشاهد العصر على تاريخ المغرب العريق


1. السياق التاريخي: نشأة صومعة حسان في عهد الموحدين


بُنيت صومعة حسان في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي (بين عامي 1197م و1198م) بأمر من السلطان يعقوب المنصور الموحدي، ثالث خلفاء الدولة الموحدية وأقواهم. كان المنصور يطمح إلى جعل مدينة الرباط (التي كانت تُعرف بـ "رباط الفتح") عاصمةً إمبراطورية تضاهي في عظمتها مدينتي بغداد وقرطبة.


لماذا بُنيت الصومعة؟


كان الهدف الأساسي من بناء المسجد وصومعته هو إقامة أكبر مجمع ديني في العالم الإسلامي آنذاك، ليكون قادراً على استيعاب جيوش الموحدين المتجهة إلى الأندلس، وليعكس القوة الروحية والعسكرية للدولة.


2. الهندسة المعمارية: عبقرية التصميم المغربي الأندلسي


تعتبر صومعة حسان الشقيقة الثالثة لكل من "صومعة الكتبية" في مراكش و"صومعة الخيرالدا" في إشبيلية بالأندلس. وقد أشرف على تصميمها المهندس الشهير جابر بن أفلح، الذي وضع فيها خلاصة الفن المعماري الموحدي.


الأبعاد والمقاييس


الشكل: تتخذ الصومعة شكلاً مربعاً كلاسيكياً، يبلغ طول كل ضلع من أضلاعها 16 متراً.


الارتفاع الحالي: توقفت الصومعة عند ارتفاع 44 متراً، بينما كان من المخطط أن يتجاوز ارتفاعها 80 متراً، لتكون أطول مئذنة في العالم في ذلك الوقت.


التصميم الداخلي: بدلاً من السلالم التقليدية، صُممت الصومعة من الداخل بمنحدرات حلزونية (رامبات) واسعة، كانت تسمح للمؤذن بالصعود إلى قمتها وهو يمتطي جواده، وهي ميزة فريدة في العمارة الإسلامية.


مواد البناء والزخرفة


استُخدم في بناء الصومعة الحجر الرملي الأحمر الذي يتميز بصلابته وتغير لونه الجمالي مع تعاقب ساعات النهار. وتزدان واجهاتها الأربع بنقوش زخرفية هندسية معقدة، تشمل:


الأقواس المتجاوزة: التي تعطي إحساساً بالارتفاع والرشاقة.


شبكات "السبكة": وهي زخارف نباتية وهندسية متداخلة تميز الفن الموريسكي.


الخشب المنحوت: حيث استُخدم خشب الأرز الأطلسي في الأسقف والزخارف الداخلية.


3. لغز عدم الاكتمال: لماذا لم يتم إنهاء بناء الصومعة؟


توقف العمل في صومعة حسان والمسجد الملحق بها في عام 1199م بشكل مفاجئ. وتعود الأسباب إلى:


وفاة السلطان يعقوب المنصور: كان هو المحرك الرئيسي للمشروع، وبوفاته فقد العمل زخمه المادي والسياسي.


انشغال الدولة بالحروب: تحولت موارد الدولة الموحدية نحو الدفاع عن الأندلس ومواجهة التحديات الداخلية، مما جعل إكمال مشروع بهذا الحجم ضرباً من المستحيل.


الخلافات السياسية: عدم اهتمام الخلفاء الذين جاؤوا بعد المنصور بإتمام مشروعه الطموح في مدينة الرباط.


4. زلزال لشبونة وتأثيره على المعلم


في عام 1755م، تعرضت المنطقة لزلزال "لشبونة" الشهير الذي بلغت آثاره شمال أفريقيا. أدى هذا الزلزال إلى انهيار أجزاء كبيرة من مسجد حسان المحيط بالصومعة، واختفت الأسقف الخشبية الضخمة، ولم يتبقَّ من المسجد سوى غابة من الأعمدة الرخامية (حوالي 200 إلى 400 عمود) التي لا تزال تقف اليوم كشاهد عيان على ضخامة المشروع الأصلي.


5. ضريح محمد الخامس: لقاء التاريخ بالمعاصرة


في الساحة المقابلة لصومعة حسان، يرتفع ضريح الملك محمد الخامس، وهو تحفة معمارية حديثة بُنيت بين عامي 1961 و1971. هذا التجاوز المكاني بين الصومعة القديمة والضريح الحديث يخلق توازناً بصرياً وتاريخياً فريداً.


من يرقد هناك؟: يضم الضريح رفات الملك الراحل محمد الخامس (بطل الاستقلال)، ونجليه الملك الحسن الثاني والأمير عبد الله.


الفخامة المعمارية: يتميز الضريح بسقفه المصنوع من القرميد الأخضر، وجدرانه المرصعة بالرخام الأبيض الإيطالي، وزخارف "الزليج" المغربي الملون، مما يجعله قبلة للسياح والزوار الرسميين للدولة.


6. ساحة الصومعة والحدائق المحيطة


لا تقتصر الزيارة على الصومعة فحسب، بل تمتد لتشمل المرافق المحيطة:


الأعمدة التاريخية: الساحة الفسيحة المليئة بالأعمدة تمنح الزائر فرصة لالتقاط صور تذكارية مذهلة تعكس عظمة العمارة القديمة.


النوافير والقنوات المائية: تم دمج نظام ري وحدائق أندلسية تحاكي الحدائق التي كانت تشتهر بها الدولة الموحدية، مما يوفر جواً من السكينة والهدوء.


الأبواب الضخمة: يحيط بالموقع سور تاريخي يضم أبواباً ضخمة مثل "باب الرواح"، التي تتميز بزخارفها العسكرية والجمالية.


7. الأهمية السياحية والثقافية لصومعة حسان اليوم


تعتبر صومعة حسان القلب النابض للسياحة في الرباط، وهي وجهة لا غنى عنها لأي زائر للمغرب.


التراث العالمي: تم تصنيف الموقع ضمن التراث العالمي لليونسكو في عام 2012 كجزء من ملف "الرباط، العاصمة الحديثة والمدينة التاريخية".


الموقع الاستراتيجي: تطل الصومعة على نهر أبي رقراق، مما يوفر إطلالات بانورامية تجمع بين البحر والنهر والمدينة القديمة (سلا والرباط).


الحرس الملكي: يضفي وجود الحرس الملكي بملابسهم التقليدية الحمراء والبيضاء وخيولهم الأصيلة عند مداخل الصومعة هيبةً وجمالاً على الموقع.


8. نصائح للزوار والسياح


لتحقيق أقصى استفادة من زيارتك لصومعة حسان، يفضل اتباع الآتي:


أفضل وقت للزيارة: في الصباح الباكر أو قبل الغروب بقليل، حيث تضفي أشعة الشمس الذهبية على الحجر الرملي الأحمر لوناً ساحراً.


التصوير الفوتوغرافي: الساحة توفر زوايا تصوير مثالية، خاصة بين الأعمدة الرخامية.


اللباس: يُفضل ارتداء ملابس محتشمة نظراً لرمزية المكان الدينية ولوجود الأضرحة الملكية.


الدخول: الدخول إلى ساحة الصومعة والضريح مجاني لجميع الزوار.


9. الأسئلة الشائعة حول صومعة حسان (FAQ)


س: ما هو ارتفاع صومعة حسان الحقيقي؟

ج: ارتفاعها الحالي هو 44 متراً، لكن كان من المفترض أن يصل إلى أكثر من 80 متراً لو اكتمل بناؤها.


س: هل يمكن صعود صومعة حسان من الداخل؟

ج: حالياً، الصعود إلى قمة الصومعة غير متاح للجمهور لأسباب تتعلق بالسلامة والحفاظ على الآثار، ولكن يمكن الاستمتاع بجمالها الخارجي والساحات المحيطة بها.


س: أين تقع صومعة حسان بالضبط؟

ج: تقع في وسط العاصمة المغربية الرباط، في منطقة مرتفعة تطل على نهر أبي رقراق.


س: ما الفرق بين صومعة حسان وصومعة الكتبية؟

ج: كلاهما بني في عهد الموحدين وبأسلوب مشابه، لكن الكتبية تقع في مراكش وهي مكتملة البناء، بينما صومعة حسان في الرباط وتعتبر جزءاً من مشروع مسجد لم يكتمل.


خاتمة


إن صومعة حسان ليست مجرد أطلال من الماضي، بل هي جسر يربط بين تاريخ المغرب المجيد وحاضره المشرق. هي شاهدة على عصر كانت فيه الرباط منارة للعلم والقوة، وتظل اليوم أيقونة تلهم المهندسين والمؤرخين والسياح من كل بقاع العالم. زيارة هذا المعلم هي رحلة عبر الزمن، تكتشف فيها روح المغرب الحقيقية التي لا تنطفئ.






التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !