مدينة البتراء: دليل شامل حول "المدينة الوردية" وإحدى عجائب الدنيا السبع

0

مدينة البتراء: دليل شامل حول "المدينة الوردية" وإحدى عجائب الدنيا السبع

تُعد مدينة البتراء (Petra) الأثرية في المملكة الأردنية الهاشمية واحدة من أعظم الشواهد على عبقرية الإنسان في العصور القديمة. لم تكن البتراء مجرد مدينة محفورة في الصخر، بل كانت مركزاً حضارياً واقتصادياً عالمياً ربط بين قارات العالم القديم. في هذا المقال، سنغوص في أعماق التاريخ لنستكشف أسرار "المدينة الوردية"، معالمها، تاريخها، وكيف أصبحت أيقونة السياحة العالمية.

مدينة البتراء: دليل شامل حول "المدينة الوردية" وإحدى عجائب الدنيا السبع
مدينة البتراء: دليل شامل حول "المدينة الوردية" وإحدى عجائب الدنيا السبع

مدينة البتراء: دليل شامل حول "المدينة الوردية" وإحدى عجائب الدنيا السبع

أولاً: الموقع الجغرافي والإداري لمدينة البتراء

تقع مدينة البتراء في الجزء الجنوبي من الأردن، وتتبع إدارياً للواء البتراء في محافظة معان. تتميز بموقع استراتيجي فريد على منحدرات جبل المذبح، وتحدها سلسلة من الجبال الصخرية الشاهقة التي شكلت حصناً طبيعياً للمدينة عبر العصور.

  • المسافة من العاصمة: تبعد عن مدينة عمان حوالي 225 كيلومتراً.

  • الارتفاع: تقع في منطقة جبلية وعرة، مما جعل الوصول إليها قديماً يتطلب مهارة ودراية بالمسالك الصخرية.

  • المناخ: تمتاز بمناخ شبه صحراوي، مع شتاء بارد وصيف معتدل يميل للحرارة، مما يجعلها وجهة سياحية مناسبة في أغلب فصول السنة.

ثانياً: تاريخ البتراء.. من الاستيطان المبكر إلى الاكتشاف الحديث

يمتد تاريخ البتراء لآلاف السنين، حيث مرت عليها حضارات عدة تركت بصماتها في كل زاوية من زواياها:

  1. العصر الأدومي (1200 - 539 ق.م): استوطنها الأدوميون قبل مجيء الأنباط، واشتهروا بصناعة الفخار والمعادن.

  2. عصر الأنباط (العصر الذهبي): في عام 312 ق.م، اتخذها الأنباط (وهم قبائل عربية بدوية) عاصمة لمملكتهم. بفضل ذكائهم التجاري وهندستهم لنظم المياه، تحولت البتراء إلى واحة مزدهرة.

  3. الحكم الروماني: في عام 106 ميلادية، ضُمّت المدينة إلى الإمبراطورية الرومانية، وشهدت هذه الفترة بناء الشارع المعبد والمسرح بشكل أوسع.

  4. الزلازل والركود: تعرضت المدينة لزلازل مدمرة في عامي 746 و748 ميلادية، مما أدى إلى تدمير أجزاء واسعة منها وهجران سكانها تدريجياً.

  5. النسيان وإعادة الاكتشاف: ظلت البتراء "مفقودة" عن العالم الغربي خلال العصر العثماني، حتى أعاد اكتشافها الرحالة السويسري "يوهان لودفيغ بوركهاردت" عام 1812م، الذي دخلها متنكراً بزي تاجر هندي.

ثالثاً: المعالم الأثرية والكنوز المعمارية في البتراء

تضم البتراء مئات المعالم المحفورة بدقة متناهية في الصخر الرملي، وأهمها:

1. السيق (The Siq)

هو المدخل الرئيسي للمدينة، وهو شق صخري طبيعي يلتوي بطول 1200 متر. يتراوح عرضه في بعض المناطق بين 3 إلى 12 متراً، بينما يصل ارتفاع جوانبه إلى 80 متراً. السير في السيق يمنح الزائر تجربة تشويقية قبل الوصول إلى "الخزنة".

2. الخزنة (Al-Khazneh)

هي الواجهة الأكثر شهرة في العالم. سُميت بالخزنة لاعتقاد البدو قديماً أن الجرة الموجودة في أعلاها تحتوي على كنوز فرعونية. يبلغ ارتفاعها 39 متراً وعرضها 25 متراً، وقد نُحتت في القرن الأول قبل الميلاد كضريح لأحد ملوك الأنباط (يُعتقد أنه الملك الحارث الرابع).

3. مسرح البتراء (The Theatre)

بُني في القرن الأول الميلادي بأسلوب يمزج بين الهندسة النبطية والرومانية. نُحت المسرح في قلب الصخر ويتسع لنحو 10,000 متفرج، مما يعكس الكثافة السكانية والرفاهية التي عاشتها المدينة.

4. الدير (Ad-Deir)

يُعد أضخم بناء في البتراء، ويشبه في تصميمه الخزنة ولكنه أكبر حجماً وأقل زخرفة. يتطلب الوصول إليه صعود حوالي 800 درجة صخرية، ويوفر إطلالة بانورامية مذهلة على وادي عربة.

5. قصر البنت (Qasr al-Bint)

يُعرف أيضاً بقصر "بنت فرعون"، وهو من المباني القليلة التي شُيدت بناءً (أي لم تُنحت في الصخر) في وسط المدينة، وكان يُستخدم كمعبد رئيسي.

6. المذبح (The High Place of Sacrifice)

يقع في مكان مرتفع جداً، وكان يُستخدم لتقديم القرابين والطقوس الدينية. يتميز بوجود مسلات صخرية ضخمة وإطلالة تكشف المدينة بأكملها.

رابعاً: الهندسة المائية.. سر البقاء في الصحراء

من الأسباب الرئيسية لازدهار البتراء قدرة الأنباط على إدارة موارد المياه. صمموا شبكات معقدة من القنوات والخزانات والسدود لجمع مياه الأمطار وتخزينها، مما سمح لهم بالزراعة والعيش في منطقة جافة تماماً. هذه الهندسة هي التي جعلت البتراء محطة لا غنى عنها للقوافل التجارية.

خامساً: اقتصاد البتراء.. من النحاس إلى السياحة العالمية

  • قديماً: كان الاقتصاد يعتمد على تجارة القوافل المحملة بالبخور والتوابل والحرير بين جنوب الجزيرة العربية وبلاد الشام. كما برعوا في استخراج النحاس وصناعة الفخار الرقيق الذي يُعد من أجود أنواع الفخار في التاريخ القديم.

  • حديثاً: تعتمد البتراء اليوم كلياً على السياحة. تُعد المحرك الأول للاقتصاد المحلي في محافظة معان، وتوفر آلاف فرص العمل في الفنادق، الإرشاد السياحي، والحرف اليدوية.

سادساً: البتراء على قائمة التراث العالمي وعجائب الدنيا

حققت البتراء اعترافاً دولياً واسعاً لمكانتها الفريدة:

  1. اليونسكو (1985): تم إدراجها ضمن مواقع التراث العالمي كإرث إنساني يجب الحفاظ عليه.

  2. عجائب الدنيا السبع (2007): تم اختيارها كواحدة من عجائب الدنيا السبع الجديدة بعد تصويت عالمي شارك فيه الملايين، مما ضاعف من شهرتها الكونية.

سابعاً: التنوع الحيوي والطبيعة في البتراء

رغم طبيعتها الصخرية، إلا أن المدينة تضم تنوعاً نباتياً وحيوانياً مثيراً:

  • النباتات: تنتشر فيها أشجار العرعر، والبطم، ونباتات طبية مثل العنصل والسوسن الأسود (الزهرة الوطنية للأردن).

  • الحيوانات: يمكن رؤية الجمال والخيول والحمير التي تُستخدم في التنقل، بالإضافة إلى الطيور الجارحة التي تسكن قمم الجبال.

ثامناً: نصائح هامة لزوار مدينة البتراء

للاستمتاع بتجربة مثالية، نوصي الزوار بما يلي:

  1. أفضل وقت للزيارة: فصلي الربيع (مارس-مايو) والخريف (سبتمبر-نوفمبر).

  2. الملابس: ارتداء أحذية مشي مريحة وقبعات للحماية من الشمس، فالجولة تتطلب مشياً طويلاً.

  3. البتراء ليلاً: لا تفوت عرض "Petra by Night"، حيث تُضاء الخزنة بآلاف الشموع وسط أجواء موسيقية ساحرة.

  4. مدة الزيارة: يُفضل تخصيص يومين على الأقل لاستكشاف كافة المعالم، فالموقع شاسع جداً.

خاتمة

إن مدينة البتراء ليست مجرد أطلال من الماضي، بل هي رسالة من حضارة الأنباط تخبرنا كيف يمكن للإرادة البشرية أن تطوع الصخر القاسي لتصنع منه جنة معمارية. بقاؤها صامدة لآلاف السنين يجعلها وجهة لابد من زيارتها مرة واحدة على الأقل في العمر لكل عاشق للتاريخ والجمال.




التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !