مدينة القدس: مهد الحضارات وعاصمة فلسطين الأبدية (دليل شامل)

0


مدينة القدس: مهد الحضارات وعاصمة فلسطين الأبدية (دليل شامل)


تعتبر مدينة القدس، أو "زهرة المدائن"، ليست مجرد بقعة جغرافية على الخارطة، بل هي قلب العالم النابض، ومركز التقاء الأديان السماوية، ومستودع التاريخ البشري الذي يمتد لأكثر من ستة آلاف عام. إنها المدينة التي تآخت فيها المآذن مع أجراس الكنائس، وصمدت أسوارها أمام تعاقب الغزاة والحضارات، لتبقى شاهدةً على عروبة هذه الأرض وقدسيتها.


  • في هذا التقرير المفصل، نستعرض تاريخ القدس، معالمها، جغرافيتها، والأهمية الاستراتيجية والروحية التي جعلتها محور الصراع والاهتمام العالمي عبر العصور.

مدينة القدس: مهد الحضارات وعاصمة فلسطين الأبدية (دليل شامل)
مدينة القدس: مهد الحضارات وعاصمة فلسطين الأبدية (دليل شامل)


أولاً: أسماء مدينة القدس ودلالاتها التاريخية


تعددت أسماء القدس بتعدد الأمم التي سكنتها، وكل اسم يحمل في طياته حقبة زمنية وحكاية صمود:


يبوس: هو أقدم أسمائها، نسبة إلى "اليبوسيين" وهم قبيلة كنعانية عربية هم أول من بنى المدينة.


أورسالم: ظهر هذا الاسم في العهد البابلي (559 ق.م)، ويعني "مدينة السلام".


يروشاليم: عُرفت به في عهد الإسكندر الأكبر والمقدونيين.


إيلياء (Aelia Capitolina): وهو الاسم الذي أطلقه الإمبراطور الروماني هادريان بعد طرد اليهود منها، وظل مستخدماً حتى الفتح الإسلامي.


القدس وبيت المقدس: الأسماء التي كرّسها المسلمون تعبيراً عن الطهارة والبركة.


القدس الشريف: الاسم الذي شاع في العهد العثماني تقديراً لمكانتها العالية.


ثانياً: التسلسل التاريخي لمدينة القدس


مرت القدس بمحطات تاريخية كبرى شكلت هويتها الحالية، ويمكن تقسيم هذا التاريخ العريق إلى عصور رئيسية:


1. العصر القديم واليبوسيون (2500 ق.م)


يعتبر اليبوسيّون (أحد بطون الكنعانيين العرب) هم السكان الأصليين للقدس، وهم من وضعوا لبنتها الأولى فوق تلال "الظهور". تلاهم العصر الفرعوني حيث خضعت للنفوذ المصري في القرن 16 ق.م، ثم العصر البابلي الذي شهد حملة "نبوخذ نصر" الشهيرة.


2. العصر الفارسي واليوناني ثم الروماني


تعاقبت الإمبراطوريات على القدس، من قورش الفارسي إلى الإسكندر المقدوني، وصولاً إلى الحكم الروماني في عام 63 ق.م. في هذه الفترة، شهدت المدينة ولادة السيد المسيح عليه السلام، وبناء كنيسة القيامة في العهد البيزنطي (326م) بعد اعتماد المسيحية ديانة رسمية للإمبراطورية.


3. العصر الإسلامي الأول والعهدة العمرية (636م)


دخلت القدس أزهى عصورها مع الفتح الإسلامي في عهد الخليفة عمر بن الخطاب. وقد منح "العهدة العمرية" للمسيحيين، وهي وثيقة تاريخية ضمنت لهم الحرية الدينية وحماية كنائسهم وأموالهم، مشترطةً ألا يسكنها اليهود حينذاك. وازدهرت المدينة في العهدين الأموي والعباسي، حيث بُنيت قبة الصخرة والمسجد الأقصى بشكله المعماري المهيب.


4. الحروب الصليبية وتحرير صلاح الدين


سقطت القدس في يد الصليبيين عام 1099م، وتحولت لمملكة لاتينية لقرابة قرن من الزمان، حتى استعادها القائد الناصر صلاح الدين الأيوبي عام 1187م بعد معركة حطين الخالدة، ليعيد إليها طابعها العربي والإسلامي ويسمح بعودة التعايش بين الأديان.


5. العهد المملوكي والعثماني


اعتنى المماليك بالقدس تعليمياً وعمرانياً، فأنشأوا المدارس والتكايا. ثم جاء العثمانيون بقيادة السلطان سليم الأول، وفي عهد السلطان سليمان القانوني أُعيد بناء سور القدس الحالي وترميم معالم المسجد الأقصى، وبقيت تحت حكمهم حتى عام 1917م.


6. التاريخ الحديث: الانتداب والاحتلال


وقعت القدس تحت الانتداب البريطاني عام 1917، ثم بدأت مأساة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948 (القدس الغربية) واستكمال احتلال المدينة بشطرها الشرقي عام 1967، وهو الوضع الذي يرفضه المجتمع الدولي والقانون الذي يعتبر القدس عاصمة للدولة الفلسطينية.


ثالثاً: الجغرافيا والموقع الاستراتيجي


تتمتع القدس بموقع جيوسياسي فريد:


الموقع: تقع في وسط فلسطين التاريخية، على خطوط الطول والعرض التي تربط جبال نابلس شمالاً وجبال الخليل جنوباً.


التضاريس: تتربع على مجموعة من التلال (مرتفع صهيون، بيت الزيتون، وساحة الحرم)، وترتفع حوالي 775 متراً عن مستوى سطح البحر.


المناخ والمساحة: تمتاز بمناخ متوسطي، وتبعد عن البحر الميت نحو 22 كم، مما يجعلها نقطة وصل حيوية بين الساحل وغور الأردن.


رابعاً: معالم القدس الدينية والأثرية


تضم القدس أكثر من 220 معلماً تاريخياً، نذكر أهمها:


1. المسجد الأقصى المبارك


هو ليس مجرد مبنى، بل هو كل ما دار حوله السور بمساحة 144 دونماً. يضم الجامع القبلي (ذو القبة الرصاصية) ومسجد قبة الصخرة المشرفة بجمالها المعماري الفريد وقبتها الذهبية، والتي تمثل الصخرة التي عرج منها النبي محمد ﷺ إلى السماء.


2. كنيسة القيامة


أقدس مكان للمسيحيين في العالم، تقع في الحي المسيحي وتضم "القبر المقدس". تعكس الكنيسة بجمال عمارتها وتاريخها صمود المسيحية المشرقية في هذه الأرض.


3. جبل الزيتون (الطور)


يقع شرق المدينة، ويوفر إطلالة بانورامية ساحرة على القدس القديمة. يضم كنيسة الجثمانية وكنيسة مريم المجدلية، وله مكانة دينية رفيعة في التاريخ المسيحي والإسلامي.


4. أسوار وأبواب القدس


يحيط بالبلدة القديمة سور عظيم يبلغ طوله نحو 4 كم، ويحتوي على سبعة أبواب مفتوحة هي:


باب العامود: أجمل الأبواب وأكثرها حيوية.


باب الساهرة: يقع في السور الشمالي.


باب الأسباط (باب الأسود): مدخل رئيسي للمصلين نحو الأقصى.


باب المغاربة: أصغر الأبواب ويقع في الجهة الجنوبية.


باب النبي داود: يؤدي إلى الحي الأرمني.


باب الخليل: يقع في الجهة الغربية.


الباب الجديد: أُنشئ في القرن التاسع عشر.


خامساً: القدس الكبرى.. البلدات والمحيط الاجتماعي


ترتبط القدس ببلدات محيطة تشكل معها نسيجاً واحداً، رغم محاولات العزل الجغرافي بواسطة "جدار الفصل العنصري":


أبو ديس والعيزرية: بلدات تاريخية تمثل الامتداد الشرقي للمدينة.


الرام وقلنديا: تمثلان البوابة الشمالية ونقطة الوصل مع رام الله.


شعفاط وعناتا: تضمان مخيمات لاجئين صامدة تعبر عن حق العودة.


سلوان: الحامية الجنوبية للمسجد الأقصى والتي تتعرض لضغوط استيطانية مكثفة.


سادساً: الوصاية الهاشمية على المقدسات


تؤدي المملكة الأردنية الهاشمية دوراً تاريخياً وقانونياً محورياً في حماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس:


البداية: تعود لعام 1924 حين بايع الفلسطينيون الشريف حسين بن علي وصياً على المقدسات.


الإعمار الهاشمي: توالت عمليات الإعمار والترميم من عهد الملك عبد الله الأول، مروراً بالملك الحسين بن طلال، وصولاً إلى الملك عبد الله الثاني الذي وقع اتفاقية تاريخية مع القيادة الفلسطينية عام 2013 لتأكيد هذه الوصاية وحماية "الوضع القائم" (Status Quo).


الهدف: الحفاظ على الهوية العربية للمدينة ومنع تهويد مقدساتها، ودعم صمود المقدسيين في أرضهم.


سابعاً: القدس في القانون الدولي والوجدان العربي


تؤكد المواثيق الدولية وقرارات الأمم المتحدة أن القدس الشرقية هي أرض محتلة، وأن أي إجراءات لتغيير طابعها الديموغرافي أو القانوني هي إجراءات باطلة. وتظل القدس في الوجدان العربي والإسلامي قضية مركزية، فهي "بوصلة النضال" ورمز الحرية والكرامة.


خاتمة


إن مدينة القدس، بتاريخها الممتد من اليبوسيين إلى يومنا هذا، تظل عصية على النسيان أو التغييب. هي مدينة تجمع بين سحر الشرق وعراقة التاريخ وقدسية السماء. إن الحفاظ على القدس ومعالمها ليس مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل هو واجب إنساني وعالمي لحماية تراث بشري لا يتكرر.




التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !