مدينة فاس: العاصمة الروحية للمغرب وجوهرة التراث العالمي

0


مدينة فاس: العاصمة الروحية للمغرب وجوهرة التراث العالمي


تُعد مدينة فاس (Fez) القلب النابض للتاريخ المغربي، والمركز الروحي والثقافي الذي لم ينطفئ بريقه منذ أكثر من اثني عشر قرناً. هي ليست مجرد مدينة عادية، بل هي "متحف مفتوح" يروي قصة حضارة إسلامية وأندلسية ازدهرت بين تلال الأطلس السايس. في هذا التقرير، نغوص في أعماق مدينة فاس، لنستكشف تاريخها، معالمها، وأسرار جاذبيتها التي جعلتها مسجلة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.

The -city- of -Fez-
مدينة فاس: العاصمة الروحية للمغرب وجوهرة التراث العالمي

مدينة فاس: العاصمة الروحية للمغرب وجوهرة التراث العالمي

أولاً: الموقع الجغرافي والمناخ.. طبيعة ساحرة


تقع مدينة فاس في شمال وسط المملكة المغربية، وتتميز بموقع استراتيجي في وادٍ خصيب يُعرف بوادي فاس، وتحيط بها التلال من كل جانب، مما وفر لها حماية طبيعية عبر العصور.


المناخ: تمتاز فاس بمناخ قاري؛ حيث يكون الجو حاراً وجافاً في فصل الصيف، وبارداً وممطراً في الشتاء. أما فصلا الربيع والخريف، فهما الأجمل لزيارة المدينة، حيث تكتسي التلال المحيطة بالخضرة ويعتدل الجو، مما يسمح للسياح بالتجول في أزقتها الضيقة براحة تامة.


الوفرة المائية: يعبر نهر فاس المدينة، وقد كان قديماً المصدر الأساسي للحياة، حيث تنفجر منه ينابيع كثيرة استُغلت في تصميم نظام مائي فريد لتزويد البيوت والمساجد والحمامات بالمياه.


ثانياً: الجذور التاريخية.. من إدريس الأول إلى العصر الحديث


تأسست فاس لتكون أول عاصمة للدولة الإسلامية في المغرب الأقصى. مر تاريخها بمحطات مفصلية شكلت هويتها:


التأسيس (العهد الإدريسي): وضع إدريس الأول حجر الأساس للمدينة عام 789م (177هـ) على الضفة اليمنى لنهر فاس (عدوة الأندلس)، ثم جاء ابنه إدريس الثاني عام 809م ليبني "عدوة القرويين" على الضفة اليسرى، لتصبح المدينة مركزاً استقطابياً للهجرات من القيروان والأندلس.


العصر المرابطي والموحدي: في القرن الحادي عشر، قام يوسف بن تاشفين بتوحيد العدوتين خلف سور واحد، مما حول فاس إلى مدينة متكاملة. وفي العهد الموحدي، ازدهرت فاس تجارياً وعلمياً بشكل غير مسبوق.


العصر المريني (العصر الذهبي): تعتبر فترة حكم المرينيين هي العصر الذهبي للعمارة في فاس، حيث بنوا "فاس الجديدة" وجعلوا المدينة مركزاً سياسياً وإدارياً عالمياً، وشيدوا أعظم المدارس الدينية التي لا تزال قائمة حتى اليوم.


الاستعمار والقرن العشرين: مع دخول الحماية الفرنسية عام 1912، تم نقل العاصمة إلى الرباط، مما أفقد فاس دورها السياسي لكنه حافظ على طابعها التقليدي الأصيل بعيداً عن صخب الحداثة الجارفة.


ثالثاً: التقسيم الإداري والمعماري للمدينة


تتألف فاس من ثلاثة أجزاء رئيسية، يمثل كل منها حقبة زمنية مختلفة:


1. فاس البالي (المدينة القديمة)


هي الأكبر والأقدم، وتعتبر أكبر منطقة حضرية في العالم خالية من السيارات. تضم فاس البالي أكثر من 9000 زقاق ضيق، وهي موطن "جامع القرويين" والأسواق التقليدية. التنزه هنا هو رحلة عبر الزمن إلى العصور الوسطى.


2. فاس الجديدة


بناها المرينيون في القرن الثالث عشر لتكون مقراً للحكم. تضم القصر الملكي (دار المخزن) بأبوابه الذهبية الشهيرة، وحي "الملاح" (حي اليهود القديم) الذي يتميز بعمارته الفريدة بشرفاتها الخشبية المطلة على الشارع، وهو ما يختلف عن نمط البيوت في فاس البالي.


3. المدينة الجديدة (Ville Nouvelle)


أسسها الفرنسيون خلال فترة الحماية، وتتميز بشوارعها الواسعة، والمقاهي العصرية، والفنادق الفخمة، والمراكز التجارية، وهي المركز الإداري والاقتصادي الحديث للمدينة.


رابعاً: جامعة القرويين.. منارة العلم العالمية


لا يمكن الحديث عن فاس دون ذكر جامع وجامعة القرويين. تأسست عام 859م على يد السيدة فاطمة الفهري، وتصنفها اليونسكو وموسوعة غينيس كأقدم جامعة لا تزال تدرس في العالم.


الدور الثقافي: كانت القرويين جسراً ثقافياً بين الشرق والغرب، درس فيها علماء كبار مثل ابن خلدون (مؤسس علم الاجتماع)، وابن رشد، والشريف الإدريسي، وحتى علماء من الغرب مثل "جيربرت دي أورياك" الذي أصبح لاحقاً البابا سيلفستر الثاني.


العمارة: يتميز الجامع بزخارف أندلسية مغربية، وأقواس حدوية، وثريات نحاسية ضخمة، مما يجعله تحفة فنية إسلامية نادرة.


خامساً: المعالم السياحية والأثرية التي يجب زيارتها


تزخر فاس بمعالم تجذب آلاف السياح سنوياً، ومن أبرزها:


المدرسة البوعنانية: من أجمل المدارس المرينية، تتميز باستخدام خشب الأرز المحفور والفسيفساء (الزليج) والجبس المنقوش.


دار الدبغ (شواري): هي أقدم مدبغة للجلود في العالم. لا يزال العمال يستخدمون الطرق التقليدية في دباغة وتلوين الجلود في أحواض حجرية مملوءة بالألوان الطبيعية، وهو مشهد بانورامي لا ينسى.


باب بوجلود (البوابة الزرقاء): هو المدخل الرئيسي لفاس البالي، يتميز بلونه الأزرق من الخارج (لون مدينة فاس) والأخضر من الداخل (لون الإسلام).


متحف البطحاء: قصر ملكي سابق تحول إلى متحف للفنون والحرف التقليدية، يضم مجموعات نادرة من الخزف الفاسي الأزرق.


مقابر المرينيين: تقع على تل خارج أسوار المدينة، وتوفر إطلالة بانورامية ساحرة على مدينة فاس بأكملها، خاصة عند وقت الغروب.


سادساً: الصناعات التقليدية والهوية الثقافية


تعتبر فاس عاصمة الحرف التقليدية في المغرب. الصناعة هنا ليست مجرد مهنة، بل هي إرث ينتقل من الأب إلى الابن:


الخزف الفاسي: يشتهر بلونه الأزرق المميز ونقوشه الدقيقة.


النحاسيات: في ساحة "الصفارين"، يطرق الحرفيون النحاس لصنع الأواني والثريات في سمفونية يدوية مذهلة.


النسيج والحرير: تُنتج فاس أفخر أنواع القفاطين المغربية والمنسوجات التقليدية.


سابعاً: المهرجانات والفعاليات الدولية


تعزز فاس مكانتها العالمية من خلال تنظيم فعاليات كبرى، أبرزها:


مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة: يستقطب فرقاً من مختلف الأديان والثقافات لتعزيز قيم التسامح والتعايش.


المؤتمرات الفكرية: تستضيف المدينة بانتظام ندوات تتناول القضايا الفلسفية والدينية والسياسية، نظراً لإرثها العلمي العريق.


ثامناً: نصائح للمسافرين إلى فاس (SEO Tips)


لكي تكون زيارتك مثالية، ضع في اعتبارك الآتي:


الاستعانة بمرشد سياحي: نظراً لتعقيد أزقة المدينة القديمة، يُنصح دائماً بمرشد مرخص لتجنب الضياع وللتعرف على القصص المخفية وراء كل جدار.


تجربة الأكل الفاسي: تشتهر فاس بـ "البسطيلة" (بمزيجها المالح والحلو)، وطاجين السفرجل، والشاي المغربي المنعش.


الإقامة في "رياض": للحصول على تجربة أصيلة، يفضل السكن في "الرياض" (وهي دور تقليدية قديمة تحولت إلى فنادق بوتيك) داخل المدينة القديمة.


الخلاصة


مدينة فاس هي الذاكرة الحية للمغرب، ووجهة لا غنى عنها لكل من يبحث عن الأصالة والتاريخ. بجمال عماراتها، وعمق تاريخها، وحيوية أسواقها، تظل فاس "فردوساً للباحثين" و"قبلة للعارفين". إن زيارة فاس ليست مجرد جولة سياحية، بل هي تجربة روحية تعيد صياغة فهمنا للحضارة الإنسانية.




التصنيفات:

إرسال تعليق

0 تعليقات
* Please Don't Spam Here. All the Comments are Reviewed by Admin.
إرسال تعليق (0)

#buttons=( أقبل ! ) #days=(20)

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !